محمد جمال الدين القاسمي
324
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لحجته ) من بعض . فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع . فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه . فإنما أقطع له قطعة من النار . يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة . فبكى الرجلان وقال كل منهما : حقي لأخي . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما إذ قلتما ، فاذهبا فاقتسما . ثم توخيا الحق بينكما . ثم استهما . ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه . و قد رواه أبو داود « 1 » وزاد : إني إنما أقضي بينكما برأيي . فيما لم ينزل عليّ فيه . انتهى . قال السيوطيّ : وفي الآية الرد على من أجاز أن يكون الحاكم غير عالم . لأن اللّه تعالى فوّض الحكم إلى الاجتهاد . ومن لا علم عنده كيف يجتهد ؟ انتهى . وقوله تعالى : وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ . أي : لأجلهم والذبّ عنهم . وهم طعمة ومن يعينه من قومه على ما تقدم خَصِيماً أي مخاصما . وفيه أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق . وقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ . أي مما قلت لقتادة ، كما تقدم مفسرا . قال الرازيّ : تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء . وقالوا : لو لم يقع من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار . ثم أجاب عن ذلك بوجوه . وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها ، ثم عوتبوا بسببها ، أو أتوها على وجه التأويل - إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم وإلى كمال طاعتهم . لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم . وأطال في هذا المقام وأطاب . ثم قال : وأيضا ، فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء . وهو استدعاء محبة اللّه . قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] . انتهى . وقوله تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أي : يخونونها بالمعصية . جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم . كما جعلت ظلما لها لرجوع ضررها إليهم . قال الرازيّ : واعلم أن في الآية تهديدا شديدا . وذلك لأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم اللّه أن طعمة كان فاسقا ، فاللّه تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب . فكيف حال من يعلم من الظالم
--> ( 1 ) أخرجه في : الأقضية ، 7 - باب في قضاء القاضي إذا أخطأ ، حديث 3585 .